التهنئة بفريضة الصيام

كتبهاالأنصاري ، في 9 سبتمبر 2007 الساعة: 17:10 م

التهنئة بفريضة الصيام

بسم الله والصلاة والسلام على خاتم رسل الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وارض اللهم عن أتباعهم الأئمة لهداة وعنا معهم ووفقنا اللهم إلى ما تحبه وترضاه. وبعد:

مع غروب شمس آخريوم من ايام شهرشعبان يطل علينا شهرما برحت النفوس المسلمة تشرئب لمثل هذه الإطلالة السنوية والتي تعم المدر والوبر ما عم الأجدَّان: الليل والنهار. استهل هذا الشهر الشريف وثبت بالرؤية شرعية ,فأصبح المسلمون صائمين ، فأهلاً بشهر أنزل فيه القرآن ، وهو أكبر نعمة من الله على نوع الإنسان ؛ لأنه صدق المرسلين ، وزعزع أركان الوثنيين ، ووضع أصول الوحدة في الاعتقاد والاجتماع ، ودعا إلى الحب والتأليف ، وأسس أركان العدالة في الأخلاق والآداب النفسية والعملية ، والأحكام القضائية والمدنية ، وساوى بين الناس في الحقوق ، وأعتقهم من رق العبودية لغير الله ، وتمم مكارم الأخلاق ، وأرشد إلى الكمالات الروحية ، مع عدم إهمال الحقوق الجدية ، بل حث على طلب سعادة الدارين معًا ، وخاطب العقل وجعله مشرق أنوار الدين ، ونبه الناس إلى أن للكون سننًا ثابتة لا تتبدل وهداهم إلى مراعاتها والاعتبار بها ليصلوا إلى كمالهم النوعي .

 

 

 

فقد كان المسلمون يستقبلون شهر رمضان بفائق العناية ويولونه أشد الاهتمام ويستعدون لمقدمه فرحا بقدومه، واستبشارا بفضله.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوا ببلوغه رمضان. فإذا دخل شهر رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".

وكان المسلمون يستقبلونه بقولهم: اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه. وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن. وذلك لما يعلمون من فضل رمضان وسعة فضل الله عليهم فيه، وما ينزله تعالى على عباده من الرحمات، ويفيضه عليهم من النفحات ويوسع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات. حيث يفتح لهم أبواب الجنان، ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان. فهو للأمة ربيعها، وللعبادات موسمها، وللخيرات سوقها. فلا شهر أفضل للمؤمن منه ولا عمل يفضل عما فيه. فهو بحق غنيمة للمؤمنين.

 

مشروعية الصيام

فيعتبر الصيام كعبادة دينية متقدم التشريع لدى الأمم الماضية، والأساس في هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهو مشروع لمن قبلنا. ومفروض عليهم ومؤكد بالكتابة علينا وعليهم سواء اتفقت الكيفية أو اختلفت فلكل أمة في فروعها وكيفيات عباداتها شرعة ومنهاج.

أما الصوم فقد تناولته أقلام عديدة وحاولت أن تنسب إليه حِكماً شتى في أكثر من جانب إلا أن البعض قد يذهب إلى جوانب مادية كالعلاج وصحة البدن أو إنسانية كالعطف على المساكين والشفقة وهذه وإن كان الصوم يفيدها إلا أنه لا يختص بها فقد تحصل بغيره. والبعض قد يذهب إلى جانب خلقي تربوي يتعلق بالقوى النفسية من بهمية وسبعية. وروحانية ملكية وأن الصوم إضعاف للأولى بتقليل الطعام، فتتقوى الثانية. وقد يستأنس لذلك بحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه". وهذه أيضاً تابعة للأولى لم تخرج عن الماديات ونطاق الحواشي.

ولكن القرآن نص صراحة على أهم خصائص الصيام وحكمته وأبان بأنها الحكمة والغاية من الأديان كلها. وأنها أخص خصائص الشريعة الإسلامية وهي "التقوى"وذلك في معرض التشريع الأول للصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

و"لعل" أداة نص على العلة والحكمة التي هي التقوى وحقيقة التقوى الوقاية والستر كما قال الشاعر:

فتناولته واتقتنا باليد

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

وهي صيانة المرء من نوازع النفس، وهي جماع الأمر كله في عامة الأديان السماوية ودعوة الأمم السابقين وهذا باب واسع. وقد نص القرآن على أن الغاية من عبادة الناس أولهم وآخرهم من جميع الأمم هي التقوى كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} فتكون التقوى بمضمون هاتين الآيتين هي الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس.

 

 

 

 

 

 

فأجدر بالمسلمين أن يجعلوا القرآن في هذا الشهر سميرهم ومرشدهم وأميرهم ، وأن يضموا إلى قراءته وإقرائه التدبر لآياته والمذاكرة في معانيه الشريفة والاعتبار بحكمه ، والاتعاظ بمواعظه ، والتأدب بآدابه ، لئلا يكون حجة عليهم ، فما أقبح من يَقرأ أو يُقرأ عليه مثل قوله تعالى [ لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ]( آل عمران : 61 ) وقوله تعالى : [ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ]( النحل : 105 ) وهو من الكاذبين ، يسمع المقروء عليه وهو يكذب ويفرغ القارئ من قراءته فيخوض في الكذب مع الخائضين فيكون قد لعن نفسه .

فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( اقرأ القرآن ما نهاك ، فإن لم ينهك فلست تقرأه ) وقال ابن مسعود الصحابي الجليل : ( أُنزل القرآن ليعملوا به ، فاتخذوا دراسته عملاً ، إن أحدكم لَيقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ، ما يُسقط منه حرفًا ، وقد أسقط العمل به ) وفي حديث ابن عمر و أبي ذر جندب الغفاري رضي الله عنهما قالا : لقد عشنا دهرًا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن ، فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم ، فيعلم حلالها وحرامها ، وآمرها وزاجرها ، وما ينبغي أن يقف عنده منها ، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان ، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ، لا يدري ما آمره ولا زاجره ، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ، فينثره نثر الدقل ( محركة : الرديء من التمر ) .

قال بعض العلماء : يدل قوله : ( لقد عشنا )

إلخ على أن ذلك إجماع من الصحابة .

.

قال الإمام الغزالي : ( مثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال مَن يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات ، وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه ، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت ). فعسى أن يعير القراء والمستمعون هذه البينات التفاتًا ولا يكتفوا بالتلذذ بالنغم وحسن الصوت والإلقاء .

أما الصوم الذي هو عبادة الشهر فرياضة بدنية ، وتأديب للشهوة البهيمية ، وإشعار للغني المنعَّم ، بحاجة الفقير المعدم ، بحيث تتحرك عاطفة الشفقة بالإحسان إليه ، ويعظم في نفسه مقدار نعمة الله عليه ؛ لأن الأشياء تدرك قيمتها بفقدها ، والأمور تعرف بضدها ، فمن غلبته الشهوة على نفسه وملكت عليه أمره فلم يصم ، فهو حيواني الطبع يزاحم  ، وإن من الحيوان ما يمسك عن الطعام والشراب لعلة الشرف فيقال : إن الأسد لا يأكل من فريسة غيره .

وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه .. والذي يفطر في رمضان أحد رجلين : إما كافر ، لا يدين بالإسلام كبعض الذين قتلت أرواحهم أدواء التمدن الإفرنجي ، وإن لنا معهم كلامًا نوجهه إليهم في وقت آخر .

وإما جهول لئيم ليس له من الإنسان إلا صورته ولا من الدين إلا أنه من طائفة يسمون مسلمين .

والصوم الصحيح يهيئ الإنسان للتقوى فتكون مرجوة منه [ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]( البقرة : 183 ) .

ومن أدب الصيام كف الجوارح كلها عن المحرمات ، وأي اعتبار للكف عن الشهوات المباحة كالأكل والوقاع في الحل مع الانهماك في الشهوات المحرمة كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش .

وفي الحديث الصحيح : ( إنما الصوم جُنة ، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث الرفث محرَّكة : فحش في القول ، والجماع ومقدماته - ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم ، إني صائم ) ( أخرجه الشيخان وغيرهما )

وقد ضرب الإمام الغزالي للصائم المنهمك في المعاصي مثل من يبني قصرًا ويهدم مصرًا قال : فإن الطعام الحلال يضر بكثرته لا بتنوعه ، فالصوم لتقليله ، وتارك الاستكثار من الدواء خوفًا من ضرره إذا تعداه إلى تناول السم كان سفيهًا ، والحرام مهلك للدين والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره ، وقصد الصوم تقليله ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :( كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ) ( أخرجه النسائي و ابن ماجه ) .

ومن سجايا المسلمين المحمودة في رمضان كثرة الصدقات وكثرة التزاور ، وهما من أسباب التحابّ والتآلف ، ولو أنهم يجعلون حظًّا من سمرهم في ليلهم المذاكرة في شؤون الأمة والبحث في الأساليب والوسائل التي يمكنهم بها القيام لتربية النشء الجديد في بلادهم وتعليمه ما ينفعه وينفع أمته كلها معه ، لأمست منتدياتهم مهبط الفضائل ومبعث روح الحياة العزيزة لكان ذلك أجدر ,وأنفع .

وإننابهذه المناسبة المباركة نرفع أعزالتهانئ وأحلى الأمنيات بدوام الصحة والعافية ,إلى كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية بالشهرالكريم ، ونسأل الله تعالى أن يعيده علينا أعواما عديدة بالعزة والسعادة في أمن وأمان  . عبدالقادر الأنصاري .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “التهنئة بفريضة الصيام”

  1. السلام عليكم شهررمضان مازال

    فنحنو في شهر جمادى الاوى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر